يوسف زيدان

14

رسالة الأعضاء

« كان قد عرض لنا حميات مختلفة استمرت بنا مدة طويلة ، وعرض لنا من ذلك ، استسقاء طبلي « 1 » ، حتى آيس منا جميع الأطباء والعوّاد ، وغلب ظننا قرب المفارقة ، فأعرضنا عن مشورات الأطباء ، وآثرنا الاجتماع بالزهّاد والفقراء « 2 » ، حتى كان يجتمع عندنا منهم جماعة في الليل ، يشتغلون بتلاوة القرآن وإنشاد الشعر بالأنغام اللذيذة ، فوجدنا في أول ليلة خفة ؛ حملنا ذلك على سوء الظنّ بمن كان يعودنا من الأطباء ، حتى اجتهدنا في مضادة ما كانوا يشيرون به ، حقّا كان أو باطلا ، حتى كنّا ندخل الطعام على الطعام ، ونكثر من الأنواع المختلفة من الأغذية ، وخصوصا الغليظة ، ونستعمل الفاكهة بعد تلك الأغذية ، وما شابه ذلك من التدابير التي لا تجوّزها الأطباء . وألزمنا مخالطة أولئك القوم ، والالتذاذ بأحوالهم ، فما مضى علينا قريب من عشرين يوما ، إلّا وبدننا في غاية الصحة . وكان سننا في ذلك الزمان قريبا من اثنتين وعشرين سنة . ومن حين عوفينا من تلك المرضة ، حملنا سوء ظننا بأولئك الأطباء ، على الاشتغال بصناعة الطب ؛ لننفع بها الناس . . » « 3 » . ومن هذا النص يتضح الإطار الدارمي الذي دخل ابن النفيس عالم الطب من خلاله ، كما يتضح السر وراء إخلاص ابن النفيس الشديد لهذا العلم ، وذلك الإخلاص الذي كان وراء نبوغه كطبيب ، كما يتضح هذا الميل القلبي لدى ابن النفيس لروح التصوف والتدين ، وهو ما ظهر بعد ذلك في اشتغاله بالفقه وعلوم الدين . . لكن النص يثير إشكالا كبيرا ! فإذا كان ابن النفيس قد شرع في الاشتغال بالطب وهو في الثانية والعشرين ، وإذا كان مولده سنة 607 هجرية ، فذلك يعني أنه بدأ دراسته الطبية سنة 629 هجرية . فكيف يتفق ذلك مع ما أجمعت عليه المصادر من أنه تعلم الطب على يد الدّخوار ، المتوفى 628 هجرية ؟ ويبدو أن قول ابن النفيس : « حملنا سوء الظن بأولئك الأطباء ، على الاشتغال بصناعة الطب » يراد به ممارسة الطب ، وليس تعلمه . مما يعني أنه كان قد سبق له أن تعلم الطب على الدّخوار ، ثم لم يمارسه حتى وقعت له هذه الواقعة . . خاصة أن ابن النفيس قد

--> ( 1 ) الاستسقاء الطبلي : أحد الأنواع الثلاثة التي عرفها أطباء المسلمين من الاستسقاء ( الزقي - اللحمي - الطبلي ) وسمي بذلك ؛ لأن البطن فيه يصدر ، عند النقر عليه باليد ، صوتا يشبه صوت الطبل . ( 2 ) تشير كلمة ( الفقراء ) إلى جماعة الصوفية . ( 3 ) ابن النفيس : شرح كليات القانون ( مخطوط مكتبة برلين رقم 90 إم إف 6273 ) ورقة 124 ب .